محمد بن جرير الطبري
194
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) * . . يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد ، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله ، شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم ، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم ، فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم ، ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم ، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي ، واعملوا فيه بأمري . وأما قوله : ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا فإنه يقول : ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم ، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة . وقد ذكرنا الرواية عن أهل التأويل في معنى قوله : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وفي قوله : ولا يجرمنكم شنآن قوم واختلاف المختلفين في قراءة ذلك والذي هو أولى بالصواب من القول فيه والقراءة بالأدلة الدالة على صحته بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد قيل : إن هذه الآية نزلت على رسول الله ( ص ) حين همت اليهود بقتله . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هوا أقرب للتقوى نزلت في يهود خيبر ، أرادوا قتل النبي ( ص ) . وقال ابن جريج : قال عبد الله بن كثير : ذهب رسول الله ( ص ) إلى يهود يستعينهم في دية ، فهموا أن يقتلوا ، فذلك قوله : ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . . . الآية . القول في تأويل قوله تعالى : اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا إن الله خبير بما تعملون .